عرض مشاركة واحدة
قديم 11-14-2015, 06:24 PM
المشاركة 4
المدير العام
  • متواجد  الان
Post تابع
هجرته رضي الله عنه من قصر أبي سمغون إلى مدينة فاس
لما تشعشع أمر هذه الطريقة و طار صيتها في البلاد ، و أمرُ سيدنا رضي الله عنه لم يزل في غاية الترقي والكمال ، لم يعد ينظر إليه من قبل الحكم التركــي في الجزائر بعين الاطمئنان والرضى إذ أنه أبدى رضي الله عنه استيائه من جور حكمهم ولذلك هاجر رضي الله عنه من قصر أبي سمغون إلى مدينة فاس بالمغرب الأقصى ، والتي دخلها في السادس من ربيع الثاني1213 للهجرة ، يرافقه خليفته سيدى علي حرازم برادة
و بعدما استقرت به الدار و اطمأن به المنزل و مضى نحو الشهرين من مقدمه ، أمر تلميذه الأخص سيدنا علي حرازم رضي الله عنه بجمع كتاب" جواهر المعاني" بعد أن كان أمر أولا بتمزيق ما جمع منه لأمر اقتضاه الحال

القطبانية العظمى و الكتمية و الختمية
وفي شهر المحرم 1214 للهجرة ، حل سيدنا رضي الله عنه مقام القطبانية ، و غدا الغوث الجامع ، و ظهر بحمد الله ما بشره به أهل الكشوفات ، و في الثامن عشرمن صفر ، أي بعد شهر و ليال، ارتقى في درجات مقام قطبانيته الأكمل إلى أن حل مقامه العزيز المختار له في الأزل، وهو مقام الكتمية الذي أخفى الله حقيقته عن جميع الخلق ما عدا سيد الوجود صلى الله عليه و سلم ، وهو المقام الأرفع الأخص الذي ليس فوقه من مقامات العارفين و الصديقين إلا مقام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين ليس فوقهم في الفضيلة إلا الأنبياء عليهم الصلاة و السلام
و من كلام سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه عن حقيقة القطبانية قوله :" القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق تبارك و تعالى مطلقا في جميع الوجود جملة و تفصيلا ..."
و الأقطاب متفاوتون في هذا وأكملهم درجة هو من بلغ الرتبة العليا المسماة بختم المقامات ، ولم يرتقه منهم إلا القليل لبعد مرامه ، و أعلاهم هو الختم الأكبر الذي هو ختم الولاية المحمدية يختم به الله الولاية المحمدية الباطنة
كما نبه رضي الله عنه أن سيد الوجود صلى الله عليه و سلم أخبره يقظة بأنه هو الخاتم المحمدي المعروف و بأن مقامه لا مقام فوقه في بساط المعرفة بالله ، و هذا الختم هو المتلقي بجميع ما يفيض من ذوات الأنبياء عليهم السلام من الإمداد وهو المفيض على جميع الأولياء وإن لم يعلموا به إلى غير ذلك من فضائله العظام
و من علاماته أنه يحقق مواجيد الأولياء كلهم و يختص عنهم بوجده كما حقق خاتم الأنبياء مواجيد الأنبياء كلهم واختص عنهم بوجده
و قد ذكر هذا الختم غير واحد من الأئمة الكبار رضي الله عنهم ، كالحاتمي و الشاذلي رضي الله عنهما و الإمام المحدث الصوفي أبو عبد الله محمد الترمذي و الشيخ عبد الوهاب الشعراني في اليواقيت و الجواهر و الشيخ محيي الدين في "الفتوحات المكية" ، رضي الله عنهم أجمعين .
و أما وجه تسميته مكتوما فلأن له مرتبة باطنة لا يعلم حقيقتها أحد إلا الله تبارك و تعالى و سيد الوجود صلى الله عليه و سلم
و قد قال سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه مخبرا عن مقامه :"قدماي هاتين على رقبة كل ولي لله تعالى! " فقال له صاحبه سيدي محمد الغالي رضي الله عنه :" أنت في حالة الصحو والبقاء أو في السكر و الفناء ؟ " فقال رضي الله عنه :" بل أنا في حالة الصحو و البقاء و لله الحمد. " فأجابه صاحبه : " يا سيدي ما تقول في قول سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى ؟" فقال:" صدق رضي الله عنه يعني أهل عصره، و أما أنا فأقول قدماي هاتين على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور" . فقال له : "يا سيدي فكيف تقول إذا قال أحد بعدك مثل ما قلت ؟ " فقال رضي الله عنه:" لا يقول أحد بعدي!" فقال له : " يا سيدي قد حجرت على الله واسعا ألم يكن الله قادرا على أن يفتح على ولي فيعطيه من الفيوضات و التجليات و المنح و المقامات و المعارف والعلوم و الأسرار و الترقيات و الأحوال أكثر مما أعطاك ؟ " فكان جواب سيدنا رضي الله عنه :" بلى قادر على ذلك و أكثر منه، و لكن لا يفعله لأنه لم يرده ، ألم يكن قادرا على أن ينبئ أحدا ويرسله إلى الخلق و يعطيه أكثر مما أعطى سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ؟" فقال:" بلى و لكنه تعالى لا يفعله لأنه ما أراده في الأزل ." فقال رضي الله عنه: " هذا مثل ذاك ، ما أراده في الأزل و لم يسبق به علمه تعالى " .

وفاته رضي الله عنه
استوطن رضي الله عنه فاس و أقام بها زاويته المباركة الشهيرة ، و سافر بنفسه مرارا إلى البلاد الصحراوية ، و لما زوج سيدنا رضي الله عنه ولديه سيدي محمد الكبير و سيدي محمد الحبيب رضي الله عنهما عزم على الارتحال من فاس إلى القطر الشامي مع أهله و عياله والإستيطان به لما ورد في فضله ، لكنه عدل عن ذلك في نهاية الأمر لأن أولياء المغرب أبوا أن يفقدوا من بين ظهرانيهم نوره فطلبوا من حضرة سيد الوجود بقاءه العيني بين ظهرانيهم فأجابهم صلى الله عليه وسلم لمطلبهم وأذن له صلى الله عليه و سلم في المُقام وعدم الترحال فبقي بفاس حتى وفاته
و كانت وفاته رضي الله عنه يوم الخميس السابع عشرمن شوال 1230 هجري الموفق 1815ميلادي و عمره ثمانون سنة، ودفن في فاس رضي الله عنه وأرضاه
و في مرضه الذي توفي فيه طلب أن يُحضَر له القصيدة الدالية للإمام البوصيري رضي الله عنه ولعدم إمكانية الحصول عليها بفاس قام بعض خاصته بجلبها من مدينة مكناس فأمر أن تسرد بين يديه ، و ما إن تمت لم يعد سيدنا رضي الله عنه يكلم أحدا
كما أمر أن تُسرد قصيدة الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه ليلة وفاته (و قيل أنها وجدت مقيدة في بطاقة عند رأس الإمام الغزالي يوم موته أيضا) و نصها :
قل لأخوان رأوني ميتا فبكوني و رثوني حزنا
أعلى الغائب مني حزنكم أم على الحاضر منكم هاهنا
أتظنون بأني ميتكم ليس ذاك الميت و الله أنا
أنا في الصور وهذا جسدي كان ثوبي و قميصي زمنا
أنا در قد حواني صدف كان سجني فألفت السجنا
أنا عصفور و هذا قفصي طرت عنه فتخلى للفنا
أشكر الله الذي خلصني و بنا لي في المعالي ركنا
كنت قبل اليوم ميتا بينكم فحييت و خلعت الكفنا
فأنا اليوم أناجي ملأ و أرى الحق جهارا علنا
عاكف في اللوح أقرا و أرى كل ما كان و يأتي أو دنا
و طعامي و شرابي واحد هو رمز فافهموه حسنا
ليس خمرا سائغا أو عسلا لا و لا ماء و لكن لبنا
هو مشروب رسول الله إذ كان يسري فطره فطرنا
فافهموا السر ففيه نبا أي معنى تحت لفظي كمنا
لا تظن الموت موتا إنه لحياة وهو غايات المنى
لا ترعكم هجمة الموت فما هي إلا نقلة من ها هنا
فاخلعوا الأجسام عن أنفسكم تبصروا الحق جهارا علنا
و خذوا في الزاد جهدا لا تنوا ليس بالعاقل منا من ونى
ما أرى نفسي إلا انتم واعتقادي أنكم أنتم أنا
عنصر الأنفس منا واحد و كذاك الجنس جنس عمنا
فمتى ما كان خيرا فلنا و متى ما كان شرا فبنا
فارحموني ترحموا أنفسكم واعلموا أنكم في أثارنا
واسألوا الله لنفسي رحمة و يرحم الله صديقا أمنا
و عليكم من سلامي طيب و سلام الله بدءا و ثنا
وحينما اقتربت الوفاة من سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه بدأ يردد بدون انقطاع لشدة ما به من الحال: " الله! الله! النور أحرق قلبي ! الله! النور أحرق قلبي! " ، وعند الفجر طلب ممن كان من الحاضرين أن ينصرفوا بعد أن أخبرهم بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحضره مع الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، ولم يبق معه إلا بعض الخاصة.
و بعد أن أدى فريضة الصبح اضطجع رضي الله عنه على جنبه الأيمن و دعا بماء فشرب منه ، ثم عاد إلى اضطجاعه على حالته، فطلعت روحه الكريمة من ساعته و صعدت إلى مقرها الأقدس
حضر جنازته المباركة رضي الله عنه ما لا يكاد يُحصى من علماء فاس و صلحائها و فضلائها و صلى عليه إماما العلامة مفتي فاس الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الدكالي، وازدحم الناس على تشييع جنازته و حملها و حضور الصلاة عليه ، و ما وفاته إلا نقلة من الدار الترابية إلى الدار النورانية فرضي الله عنه و أرضاه وألحقنا الله بجواره بأعلى عليين بجوار سيد المرسلين